الشيخ محمد علي طه الدرة
25
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وفي رواية أخرى عن ابن أبي عباس ، وبه قال ابن زيد وغيره : استفتحت الأمم بالدعاء ، كما قالت قريش : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ . . . إلخ الآية رقم [ 32 ] من سورة ( الأنفال ) ، وقيل : إن الرسل والأمم استفتحوا ، فالرسول كان يقول : « إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا » كما في الآية رقم [ 89 ] من سورة ( الأعراف ) ، والأمم كانت تقول : إن كان هؤلاء صادقين ؛ فعذبنا ، نظيره قوله تعالى حكاية عن قولهم : ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي : خسر ، وهلك ، والخيبة : قطع الأمل من الشيء المرغوب فيه ، والمطلوب تحصيله . جَبَّارٍ : المتكبر الذي لا يرى لأحد حقا عليه ، بل يرى نفسه فوق كل الناس . عَنِيدٍ : المعاند للحق ، المجانب له ، والعنيد والعنود والعاند : المعاند للحق ، والمخالف له ، وفعله يأتي من الباب الأول والثاني ، والرابع ، والخامس ، والمصدر عندا ، وعنودا ، وعندا وهو مأخوذ من العند ، وهو الناحية ، أي أخذ في ناحيته معرضا ، قال الشاعر : [ الرجز ] إذا نزلت فاجعلوني وسطا * إنّي كبير لا أطيق العندا والعنيد والجبار لفظان مترادفان بمعنى : واحد ، وإن اللفظ مختلف . تنبيه : ذكرت في كتابي فتح القريب المجيب الشاهد [ 74 ] أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، كان خليفة ، وكان خليعا فاسقا ، متهتكا مولعا بالرذائل والمفاسد ، جبارا عنيدا ، لاهيا عن تدبير أمور الرعية ، وأحوال الخلافة ، وقد فتح المصحف مستفتحا ، فوافق ذلك قوله تعالى : وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ . . . إلخ فمزقه بيديه ، وأنشد : [ الوافر ] أتوعد كلّ جبّار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل يا ربّ مزّقني الوليد فلم يلبث أياما حتى قتل شر قتلة ، وصلب رأسه على قصره ، ثم على سور بلده ، ومزقه اللّه شرّ ممزّق فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ . الإعراب : ( استفتحوا ) : ماض مبني على الضم ، والواو فاعله ، وقرئ بصيغة الأمر ، عطفا على جملة : لَنُهْلِكَنَّ . . . إلخ فيكون موجها إلى الرسل خاصة ، وإذنا لهم بالدعاء على أقوامهم . ( خاب ) : ماض . كُلُّ : فاعله ، و كُلُّ مضاف ، و جَبَّارٍ مضاف إليه ، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف ؛ إذ التقدير : كل شخص جبار ، عَنِيدٍ : صفة ثانية للموصوف المحذوف ، أو هو بدل من جبار على الترادف ، وجملة : ( خابَ . . . ) إلخ معطوفة على جملة محذوفة ، أي فنصر الرسل وسعدوا ، وربحوا ، وخاب . . . إلخ .